تخطي إلى المحتوى

إشارات موت الثقافة

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩ مايو ٢٠٢٣
👁 372 مشاهدة 💬 0 تعليق
الصرخة التي نسمعها في كل بلاد العرب، سواء من القراء أو المثقفين، تتردد بلا صدى حول موضوع الغلاء الفاحش للكتب والعجز المادي عن شرائها. أي كاتب في البلاد التي تنوف عن 150 مليوناً من البشر، لا يطبع من كتابه أكثر من أربعة آلاف نسخة للطبعة الواحدة، ومع ذلك تظل هذه النسخ من عامين إلى ثلاثة أعوام حتى تنفد. هذا كان قبل عشرين عاماً. في أعقاب موجة التضخم الاقتصادي والانهيار المادي، ونمو البورجوازية العربية على حساب الشعب، دخل الكتاب كسلعة تجارية لا كحاجة ضرورية للعقل والروح، ميدان المنافسة والكسب والنهب. بقي الكتاب ينزل إلى السوق بالأعداد نفسها دونما زيادة في النسخ، لكن السعر ارتفع إلى عشرين ضعفاً. آلاف القراء من ذوي الدخل المحدود هم الذين يقرأون. الأكثرية الساحقة من هؤلاء ما عاد باستطاعتها شراء الكتاب. أصبح الجري واللهاث وراء الرغيف والدواء هو الهم الأول والملح. الطوابير التي تقف أمام الأفران، وأمام الصيدليات، وفي أسواق المواد الضرورية للمعدة، ما عادت تفكر بغذاء العقل والروح والفكر، وهي مضطرة ومحقة. هكذا تراجع العنصر الإنساني في حياتنا وتهمش، ليحل مكانه العنصر الفيزيائي – الحيواني هذا الارتكاس المحزن للثقافة، والانحطاط، يدخل في سياق المعادلة العامة والتسلسل الطردي لانهيار الحياة في مستوياتها كافة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالانهيار يكون شاملاً أو لا يكون. وخطوة السقوط والانزلاق تبدأ من القمة وتقود إلى الهاوية. والدولة أو السلطة الحاكمة تترسخ هيمنتها الكلية على شعب معزول عن الثقافة. شعب ساغب منغمس بهمه الفيزيائي ومعدته الحيوانية. العقل – الفكر – نهوض الروح بالفن، يقود إلى نقد الواقع والتفكير بالتغيير والتقدم والثورة. الثقافة إذن ضارة وهدامة، والاقتراب منها يشبه اللعب بالنار، والشعراء والفنانون والمفكرون يتبعهم الغاوون المعادون للسلطة التي تنشد الأبدية من خلال ثقافتها المتهافتة، وأعلامها الكاذب وخطابها الواحد المزيف الذي لا يقبل النقض أو الدحض. في البلدان الاشتراكية يدعم الكتاب من الدولة كما الرغيف، كلاهما للشعب وكلاهما يتمم الآخر. في البلدان الرأسمالية ثمة طبعات شعبية رخيصة للكتاب تتيح للمواطن ذي الدخل المحدود اقتناءه. في بلاد العرب، ومن خلال دور النشر النهابة والدولة اللامبالية بالثقافة والكتاب، تتفاقم الأوضاع الثقافية عاماً بعد عام انحداراً نحو الأمية والجهل واحتكار الثقافة للطبقة البورجوازية التي لا تقرأ، وإذا ما احتازت الكتاب فلكي تحوله إلى ديكور منزلي. ديكور للاستعراض الثقافي والمباهاة والتجميل. مثله مثل الثريات الأثريات وصور العائلة "المقدسة" والنساء العاريات. قبل عشرين عاماً كانت بلاد العرب تشهد نهوضاً ثقافياً مميزاً، واكب النهوض السياسي والاجتماعي. كانت الثقافة تبدو معلماً حضارياً من معالم تقدم الأمة، وكانت تلك الحقبة تشير نحو زمن صاعد باطراد، زمن مفعم بالأمل والأشعة والتفاؤل. زمن يقول بأن ما خسرناه في السياسة والحروب الخاسرة والتفكك الإقليمي، يمكن أن تعوضه الثقافة العربية في مجالات الفكر والأدب والفن. مريع هذا الذي جرى بعد عشرين عاماً، ومؤسٍ حتى الموت. انحطاط وانهيار يشبه سقوط النيازك في الوحل. حتى الثقافة أفلت شمسها. لم يبق منها سوى ثقافة مثقفي السلطة. ثقافة الغثاء الأحوى. الثقافة التي لا تقترب من هموم الناس ومآسيهم. الثقافة التي تمجد السلطان والراهن والمبتذل والضحل، وتحايد عن الحقيقي والجارح ونبض الروح العزلاء والبشر المهانين والجرحى. الكتاب والمثقفون الحقيقيون المعنيون بالقراء وهموم ومآسي البشر والشعب، تمضهم المرارة والشعور بالعجز حيال هذه المأساة الثقافية. إنهم يتساءلون إن كان للكتابة معنى في هذا العصر ما دام قراؤهم عاجزين عن شراء الكتاب. هؤلاء الكتاب والأدباء هم أيضاً منهوبون من دور النشر، كما هم مقموعون من السلطات التي لا يوالونها ويسبحون بحمدها داخل جوقة زمرة المثقفين الانتهازيين. هكذا، تتهمش الثقافة ذات الأفق الحضاري للأمة، وتتراجع وتحتضر دونما كفن أو جنازة. إنها الطلقة الأخيرة على ما بقي من روح الأمة في عصر الأفول وشمس العرب الغاربة. 1987 أوراق المنفى حيدر حيدر
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة